محمد جواد مغنية
139
في ظلال نهج البلاغة
( فإذا كان ذلك كان الولد غيظا ) لوالده الكادح من أجله ، والناصح له بصدق وحنان . . وليس من شك ان الجيل اللاحق يرى الأمور بغير العين التي ينظر بها الجيل السابق . ومن البداهة ان الاختلاف في الرؤية لا يستدعي بطبعه الغيظ والعقوق ، ولكن إذا فسدت الأوضاع وعمّت الفتن ضاعت المقاييس ، وتمرد عليها من لا يرى في الوجود إلا نفسه ( والمطر قيظا ) . المطر ينزل من السماء في أوانه ، والفصول الأربعة لا تتغير ، فلا الشتاء يصير صيفا ، ولا الصيف شتاء ، جار الحاكم أو عدل ، فسدت الأوضاع أم صلحت ، وعليه فالمراد بالمطر هنا وفي بعض الروايات - الخير والخصب ، وبالقيظ المحل والجدب ، والمعنى ان قوى الشر إذا حكمت وسيطرت تحتكر خيرات الأرض ، وتمنعها عن أهلها ، فيكون الخصب والخير شرا عليهم ، وخيرا على الطغاة الغاصبين ( وتفيض اللئام فيضا ، وتغيض الكرام غيضا ) إذا كانت الثروة في قبضة الأشرار أغروا بها لئام الناس ، وقويت بهم دولة الضلال ، وضعفت شوكة الكرام الطَّيبين . ( وكان أهل ذلك الزمان ذئابا ) . ذلك الزمان إشارة إلى كل زمان تسود فيه الأنظمة الجائرة ، ويتولى مركز القيادة فيه غير الأكفاء ، والمراد بالأهل هنا الذين ينتفعون بتلك الأوضاع وهؤلاء القادة غير - الأكفاء ، والذين يستغلون الأنظمة الفاسدة لمصالحهم . . وإلا فأي ذنب للمضطهدين والمحرومين ( سلاطينه سباعا ) مفترسة يحكمون الناس بشريعة الغاب ، وعقل هتلر والحجاج ( وأوساطه أكَّالا ) . قيل : المراد بالأكال الطعام ، وبالأوساط الطبقة الوسطى ، وانها مأكولة للطبقة الحاكمة العليا . . ويجوز ان يكون المراد بالأوساط هنا أعوان الظلمة ، وحواشي السلاطين ، لأن الإمام ذكر الطرفين في سياق واحد ، وبلا فاصل . . هذا ، إلى أن كلمة الأوساط تطلق على أرباب المناصب . ( والفقراء أمواتا ) حيث لا حول لهم ولا قوة إلا الشقاء والإدلاء بأصواتهم أيام الانتخابات للصوص والسفاحين ( وغار الصدق ، وفاض الكذب ) أي ظهر الفساد في البر والبحر ، ولا رادع ومنكر ، وإنما خص الكذب بالذكر لأنه من أمهات الرذائل وأكثرها خطرا وضررا ( واستعملت المودة باللسان ، وتشاجر الناس بالقلوب ) . ولا ينمو هذا النفاق وينتشر إلا تحت راية الظلم وكبت الحرية ، ومن الذي يدفع ثمن الصراحة من نفسه وماله وأهله ( وصار الفسوق نسبا ) قريبا يجمع بين المنحرفين ، ومثله : « وتواخى الناس على الفجور » . ( والعفاف